منير سلطان
215
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
فالعدل الإلهى « 1 » الذي منح حرية الإرادة للانسان ، وامكان القدرة ، ثم هيأ للعقل أن يفكر ويجرب معارضة القرآن ، حتى إذا فشل اعترف بالعجز ، قد صرف أوهام من يريدون أن يتكلفوه ، حتى لا يتعلق الناس بذبالات الممخرقين ، ويختلط الأمر . وأغلب الظن أن القول بالصرفة عند النظام لا يخرج عن هذا الإطار ، وأذهب إلى أن الرأي الذي يتناقل الأشاعرة عنه فيه من التحريف ما فيه - يقول الدكتور الحاجرى عن رأى الجاحظ في الصرفة « إنما هي - كما يقول في موضع آخر - إلى أن لا يكون أهل الشّغب متعلق حين يحاول المعارضة محاول ، فيأتي بما يتاح له من ذلك مضطربا أو ملفقا أو مستكرها ، وليس يبعد عندنا - أن يكون هذا هو تأويل الصرفة عند النظام في حقيقة الأمر ، وإنما حرّفه خصومه بعد أن فهموه على النحو الذي رأينا » « 2 » . وإذا تدبرنا رأى الرماني سنجده يدور في نفس الدائرة ، وذلك حينما يشرح لنا كيف أن الصرفة تعتبر عنده أحد وجوه الإعجاز . يقول « وأما الصرفة فهي صرف الهمم عن المعارضة ، وعلى ذلك كان يعتمد أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة ، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة - وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر فيها للعقول » « 3 » . فهو يذكر ذلك ، بعد أن ناقش كيف أنه معجز لترك المعارضة مع توافر دواعي العرب وشدة حاجتهم لها ، ثم إعجازه لتحدّيه الكافة ، وليس مع التحدي صرفة ، إلا أن يصرف - المتكلفون فيه - عن أن يعارضوه بالشّبه فتعظم القصة ، وتحتاج إلى محاكمة ويقع الزلل .
--> ( 1 ) العدل الإلهى : المسلمون جميعا يعتقدون بعدل اللّه ، ولكن المعتزلة تعمقوا في فهمه ، وأناروا حوله مسائل ، أولاها : أن يسير بالخلق إلى غاية . وأنه سبحانه يريد خير ما يكون لخلقه . . . فعاقبة الدنيا هي الخير ، وهذا ما أراده اللّه ، وأما الشر في الآخرة فمن نتائج ؟ ؟ ؟ الكفار . ( 2 ) الدكتور طه الحاجرى - الجاحظ - 323 . ( 3 ) الرماني - النكت في الاعجاز - 103 .